ولما كان موضوع الزرادشتية من الأهمية بمكان، وخاصة إعادة الخوض فيها مع ظهور ثورة الشبكة المعلوماتية، والخوض فيها بين قائل بأنها ديانة وثنية وبين مثبتٍ بأنها ديانة سماوية، رأيت ضرورة البحث في هذه الموضوع، بغاية الفصل فيه وبيان القول الصواب. لا سيما وأن هنالك دوافعا أخرى مهمة للبحث في هذه الديانة، بل أهم من الأول؛ وهي إبطال الشبهة التي ظهرت في التيار الإلحادي: إن كان الله مجودا لماذا لم يبعث أنبياء إلا إلى الشرق الأوسط (الشام، جزيرة العرب، مصر، العراق)؟ لماذا لم يبعث أنبياء لغير هذه المناطق؟ أليس الله عادلاً في إنذار عباده؟ وأنّ الدين بزعمهم هو نتاج عملية تطور إذ بدأ بالوثنية وانتهى إلى التوحيد الإبراهيمي، مُدّعِين أنّه لا يكاد يوجد توحيد قديم خارج توحيد أديان الشرق الأوسط الثلاثة (الإسلام، اليهودية، والنصرانية).
إن دراسة العقيدة الزرادشتية وإثبات التوحيد والنبوة فيها لاسيما في هذا الوقت، الذي انتشرت فيه الأفكار المادية، والتي يسأل أصحابها عن أديان توحيدية سماوية خارج منطقة الشرق الأوسط، وبعيدا عنها، وعن أنبياء من غير ذرية إبراهيم ، وخارج أرض الأنبياء، الشام والحجاز وما جاورهما، له أهمية كبيرة، لما في ذلك من إثبات كون الله تعالى قد بعث أنبياء في أمكان غير الأرض المشهورة بهم (الشام جزيرة العرب مصر العراق)، مما يُعدُّ ضربة قاسية تهدم هذه الشبهة التي جاء بها الفكر المادي الحديث، ولو كان هذا الإثبات لنبي واحد فقط، يسقط الشبهة جملة وتفصيلا، ويدل ذلك على عدل الله تعالى المطلق.

