سقطت الأندلس، ولجأ الجزء الأكبر من أهلها المسلمين واليهود إلى دول الجوار المتوسطي، وإلى شمال إفريقيا بشكل رئيسي، لكن اللاجئين، أو الكثير منهم على الأقل، لم يكونوا لِيتصوروا أن اللجوء كان في الحقيقة رحيلا إلى الأبد.
لقد كان الأندلسيون والموريسكيون دائمي الحُلم بالعودة إلى مسقط رأسهم واعتقدوا لفترة طويلة وأحيانا لأجيال كاملة أن وجودهم في المهاجر الاضطرارية بين الإخوة والأشقاء لم يكن سوى مرحلة عابرة ريثما تُستعاد الأندلس المفقودة بمساعدة المجاهدين المغاربيين في بر العدوة والدعم العثماني. وآمنوا بعودة حتمية، طال الزمن أم قَصُر، إلى بيوتهم في غرناطة ومَالَقَة والمَرِيَّة وإشْبِيلْيَة وقُرْطُبَة وربما حتى طُلَيْطِلَة التي كانوا افتقدوها مبكِّرًا تحت ضربات القوات المسيحية المُرابِطة في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية. فاحتفظوا لذلك حتى بمفاتيح الدِّيار وببعض أغراضها، لأنهم لم يكونوا قد استوعبوا بعد أن الحضارة الإسلامية كانت في مرحلة الأفول وأن قوتها الضاربة كانت في تضعضعٍ رغم مظاهرها العسكرية القوية في رافدها العثماني، وأن أهل الأندلس كانوا آخر ما تبقى من قبس هذه الحضارة، وأيضا أن السقوطَ ستطال تداعياتُه بلدانا إسلامية أخرى في شمال إفريقيا وفي غيره من بلاد العالم الإسلامي التي كانت ستقع ابتداءً من العقود الأولى من القرن 19م فريسةً بين أنياب الاستعمار الأوروبي.

